الغزالي
50
إحياء علوم الدين
وأطفئوا السراج ، وجلسوا للطعام . فلما رفع ، فإذا الطعام بحاله ، ولم يأكل أحد منه شيئا إيثارا لصاحبه على نفسه . وروى أن شعبة جاءه سائل ، وليس عنده شيء . فنزع خشبة من سقف بيته ، فأعطاه ، ثم اعتذر إليه . وقال حذيفة العدوي ، انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ، ومعي شيء من ماء ، وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ، ومسحت به وجهه . فإذا أنا به . فقلت أسقيك ؟ فأشار إليّ أن نعم . فإذا رجل يقول آه . فأشار ابن عمى إلىّ أن انطلق به إليه . فجئته ، فإذا هو هشام بن العاص ، فقلت أسقيك ؟ فسمع به آخر فقال آه . فأشار هشام انطلق به إليه . فجئته ، فإذا هو قد مات . فرجعت إلى هشام ، فإذا هو قد مات . فرجعت إلى ابن عمى ، فإذا هو قد مات ، رحمة الله عليهم أجمعين . وقال عباس بن دهقان ، ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها ، إلا بشر بن الحارث ، فإنه أتاه رجل في مرضه ، فشكا إليه الحاجة ، فنزع قميصه وأعطاه إياه ، واستعار ثوبا فمات فيه . وعن بعض الصوفية ، قال كنا بطرسوس ، فاجتمعنا جماعة ، وخرجنا إلى باب الجهاد ، فتبعنا كلب من البلد . فلما بلغنا ظاهر الباب ، إذا نحن بدابة ميتة ، فصعدنا إلى موضع عال ، وقعدنا . فلما نظر الكلب إلى الميتة ، رجع إلى البلد ، ثم عاد بعد ساعة ، ومعه مقدار عشرين كلبا . فجاء إلى تلك الميتة ، وقعد ناحية ، ووقعت الكلاب في الميتة . فما زالت تأكلها ، وذلك الكلب قاعد ينظر إليها ، حتى أكلت الميتة . وبقي العظم ، ورجعت الكلاب إلى البلد . فقام ذلك الكلب ، وجاء إلى تلك العظام فأكل مما بقي عليها قليلا ، ثم انصرف وقد ذكرنا جملة من أخبار الإيثار ، وأحوال الأولياء ، في كتاب الفقر والزهد فلا حاجة إلى الإعادة هاهنا ، وباللَّه التوفيق ، وعليه التوكل فيما يرضيه عز وجل بيان حد السخاء والبخل وحقيقتها لعلك تقول قد عرف بشواهد الشرع ، أن البخل من المهلكات ، ولكن ما حد البخل وبما ذا يصير الإنسان بخيلا أو ما من إنسان إلا هو يرى نفسه سخيا ، وربما يراه غيره بخيلا وقد يصدر فعل من إنسان ، فيختلف فيه الناس ، فيقول قوم هذا بخل ، ويقول آخرون